مقهى الدروازه
05-29-2009, 04:19 PM
جاءت التطورات التي شهدها اليمن الأسبوع الماضي وكأنها عودة إلى العام 1994، علماً أن الواقع اليمني في السنة 2009 مختلف إلى حد كبير عما كان عليه قبل خمس عشرة سنة لدى وقوع حرب الانفصال التي انتهت بالطريقة التي انتهت بها. ما كان لافتاً في أحداث الأسبوع الماضي، العرض العسكري الكبير في صنعاء في الذكرى التاسعة عشرة لإعلان الوحدة. إنه العرض الأول من نوعه منذ ما يزيد على عشر سنوات. في السنوات الماضية، كان للرئيس علي عبدالله صالح قرار واضح يقضي بالاستغناء عن العروض العسكرية. فعل ذلك من أجل إعطاء ذكرى إعلان الوحدة والمناسبات الوطنية الأخرى طابع الفرح المتمثل في العروض الموسيقية والفولكلورية المرتبطة بتراث البلد وكل محافظة من محافظاته مع التشديد على دور المرأة التي ظهرت في كل هذه العروض بصفة كونها نصف المجتمع وعنصراً فاعلاً ومؤثراً فيه بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
كانت هناك عروض شبابية وأخرى ذات طابع فولكلوري انتقلت من صنعاء، إلى عدن، إلى حضرموت، إلى آب، إلى الحديدة...
ماذا يعني العرض العسكري الأخير الذي ظهرت فيه أسلحة متطورة؟ إنه تغيير في المزاج من جهة كما حمل من جهة أخرى تحذيراً واضحاً بأن السلطة لن تقبل بالانفصال، وأن لديها الوسائل الكفيلة بإحباط أي محاولة تصب في هذا الاتجاه وأن المرونة في التعاطي مع ما يُسمى «الحراك السلمي الجنوبي» لا تعني أن السلطة ضعيفة. كانت الرسالة واضحة وفحواها أن الرئيس علي عبدالله يمتلك صبراً ومرونة كبيرين، لكن لهذا الصبر ولهذه المرونة حدود...
ترافق العرض العسكري مع ظهور السيد علي سالم البيض الرجل الثاني في اليمن الموحد بين العامين 1990 و1994 في مدينة تقع جنوب النمسا وإعلانه من هناك سعيه إلى التخلص من الوحدة. ولعل أبرز ما في كلام البيض، وهو الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي اليمني، الذي قاد المحاولة الانفصالية الأولى في العام 1994، محاولته الظهور في مظهر الزعيم الوطني «الجنوبي» الذي لا ارتباط له بحزب معين، بما في ذلك الحزب الاشتراكي. أراد البيض القول إنه بات فوق الأحزاب، وذلك في ظهوره العلني الأول منذ العام 1997 من مدينة جنيف السويسرية. وقتذاك، كانت له إطلالة قصيرة عبر احدى الفضائيات العربية التي أخضعت خطابه الحاد المسجل مسبقاً في أحد الفنادق المهمة في جنيف لمقص الرقيب. وعلى الأثر غاب البيض عن الأنظار قبل أن يعود إلى الواجهة في العام 2009 معتقداً أن الظروف تغيّرت جذرياً في اليمن، وأن في استطاعته المجازفة بنزع الجنسية العُمانية عنه والدخول في مواجهة مكشوفة مع مشروع الوحدة الذي لعب دوراً في التوصل إليه في العام 1990.
هل صحيح أن الظروف تغيّرت جذرياً في اليمن، أم أن المشهد الراهن تكرار لما حصل خلال حرب العام 1994 والشهور التي سبقتها عندما ساهمت عوامل عدة في خسارة الانفصاليين لتلك الحرب؟ من بين تلك العوامل إطلاق صواريخ بعيدة المدى في اتجاه صنعاء ما مكّن السلطة المركزية من حشد المواطنين حولها بعدما استهدفت الصواريخ مواقع مدنية. ثمة عامل آخر ساهم في سقوط مشروع الانفصال رغم كل الدعم الذي حظي به من بعض الجهات الإقليمية. يتمثل هذا العامل في مسارعة السيد علي سالم البيض إلى إعلان انتهاء الوحدة وقيام كيان مستقل في ما كان يُسمى المحافظات الجنوبية مستخفاً بالالتفاف السياسي حول القيادة اليمنية التي كانت تضم جنوبيين وشماليين عسكريين ومدنيين. كانت تلك إشارة إلى رغبة في الانقلاب على دولة الوحدة من دون مبرر شرعي مقنع ومن دون مشروع سياسي قابل للحياة. بدا البيض في حينه وكأن همه الأوحد خلق كيان منفصل على أي جزء من الأرض اليمنية، غير آبه بالنتائج التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الخطوة الخطيرة. وكان انتقاله إلى مسقط رأسه في حضرموت، بعد اقتراب القوات التابعة للسلطة من عدن، بمثابة دليل على أن هدفه النهائي ليس العودة إلى «جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية» التي دخلت، بقرار واضح لا رجعة عنه منه، في وحدة اندماجية مع «الجمهورية العربية اليمنية» بمقدار ما أنه يريد الانفصال، أي انفصال. لم يكن اليمنيون، بما في ذلك المواطنون في ما كان يسمى الجنوب، يعتقدون أن الانفصال مشروع قابل للحياة وأنه السبيل الوحيد للخروج من المأزق السياسي الذي تمر به البلاد بعدما قرر البيض، الذي كان، أيضاً، نائباً لرئيس مجلس الرئاسة، الاعتكاف في منزله في عدن... التي توجه إليها مباشرة إثر رحلة إلى الولايات المتحدة في خريف العام 1993!
هناك نقاط تشابه كثيرة بين 1994 و2009 في اليمن ولكن هناك أيضاً بعض الفوارق. يمكن الفارق الأوّل في وجود تمرد الحوثيين في محافظة صعدة الشمالية. والحوثيون متهمون بتلقي دعم إيراني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهم ينشرون علناً المذهب الشيعي الاثنى عشري في بلد لا وجود فيه لهذا المذهب. أما الفارق الآخر المهم فهو يقوم على عدم وجود قوات مسلحة خاصة بالانفصاليين، كما كانت الحال في العام 1994، حين كان لدى الحزب الاشتراكي جيشه. هل رهان الانفصاليين في العام 2009 على الضغط الذي يشكله الحوثيون على السلطة تعويضاً عن عدم امتلاكهم تنظيماً مسلحاً أو جيشاً نظامياً هذه المرة؟
في كل الأحوال، يواجه المشروع الانفصالي في اليمن مشكلة. تكمن المشكلة في أنه ليس متماسكاً، ذلك أن كل يمني، أكان من الشمال أو الجنوب أو الوسط، يعرف في قرارة نفسه أن العودة إلى وجود شطرين لا يحل أي مشكلة. الدليل على ذلك أن تاريخ الكيان الذي كان قائماً في الجنوب بين 1967 و1990 تختصره سلسلة من الحروب الداخلية والاغتيالات التي لا يزال بعضها غامضاً بلغت ذروتها في الثالث عشر من يناير 1986 تاريخ سقوط النظام وانهياره الفعلي نتيجة حرب أهلية ارتدت طابعاً مناطقياً وعشائرياً وقبلياً ذهب ضحيتها الآلاف بمن فيهم شخصيات بارزة مثل عبدالفتّاح إسماعيل وعلي عنتر وصالح مصلح قاسم وعلي شائع.
لا يمكن العودة إلى الماضي من أجل الهرب من المشاكل التي تواجه اليمن اليوم. هناك مشاكل كبيرة تحتاج إلى معالجة في اليمن. لا يمكن القول إن كل شيء على ما يرام. لكن الانفصال، حتى لو انضم إليه شخص مثل طارق الفضلي، وهو من الأفغان العرب والذي يمتلك جذوراً في محافظة أبين، ليس حلاً لمشاكل اليمن في أي شكل في الأشكال. مشاكل اليمن تحل في إطار الوحدة وفي إطار ديموقراطي بعيداً عن التشنجات، بعيداً عن المكابرة بغض النظرعن الجهة التي تلجأ إلى المكابرة. بعض التواضع ضروري. يفترض في الجميع العودة إلى الطبيعة اليمنية المتواضعة بعيداً عن كل ما من شأنه أن يقود إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء. في النهاية، يبدو مفيداً ممارسة عملية نقد للذات ولكن في إطار الوحدة. الوحدة لا تخدم الاستقرار الداخلي فحسب، بل الاستقرار الإقليمي في منطقة حساسة جداً أيضاً... هل من يريد أن يتذكر في كل لحظة أن الصومال على بعد مرمى حجر من اليمن؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=135089
كانت هناك عروض شبابية وأخرى ذات طابع فولكلوري انتقلت من صنعاء، إلى عدن، إلى حضرموت، إلى آب، إلى الحديدة...
ماذا يعني العرض العسكري الأخير الذي ظهرت فيه أسلحة متطورة؟ إنه تغيير في المزاج من جهة كما حمل من جهة أخرى تحذيراً واضحاً بأن السلطة لن تقبل بالانفصال، وأن لديها الوسائل الكفيلة بإحباط أي محاولة تصب في هذا الاتجاه وأن المرونة في التعاطي مع ما يُسمى «الحراك السلمي الجنوبي» لا تعني أن السلطة ضعيفة. كانت الرسالة واضحة وفحواها أن الرئيس علي عبدالله يمتلك صبراً ومرونة كبيرين، لكن لهذا الصبر ولهذه المرونة حدود...
ترافق العرض العسكري مع ظهور السيد علي سالم البيض الرجل الثاني في اليمن الموحد بين العامين 1990 و1994 في مدينة تقع جنوب النمسا وإعلانه من هناك سعيه إلى التخلص من الوحدة. ولعل أبرز ما في كلام البيض، وهو الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي اليمني، الذي قاد المحاولة الانفصالية الأولى في العام 1994، محاولته الظهور في مظهر الزعيم الوطني «الجنوبي» الذي لا ارتباط له بحزب معين، بما في ذلك الحزب الاشتراكي. أراد البيض القول إنه بات فوق الأحزاب، وذلك في ظهوره العلني الأول منذ العام 1997 من مدينة جنيف السويسرية. وقتذاك، كانت له إطلالة قصيرة عبر احدى الفضائيات العربية التي أخضعت خطابه الحاد المسجل مسبقاً في أحد الفنادق المهمة في جنيف لمقص الرقيب. وعلى الأثر غاب البيض عن الأنظار قبل أن يعود إلى الواجهة في العام 2009 معتقداً أن الظروف تغيّرت جذرياً في اليمن، وأن في استطاعته المجازفة بنزع الجنسية العُمانية عنه والدخول في مواجهة مكشوفة مع مشروع الوحدة الذي لعب دوراً في التوصل إليه في العام 1990.
هل صحيح أن الظروف تغيّرت جذرياً في اليمن، أم أن المشهد الراهن تكرار لما حصل خلال حرب العام 1994 والشهور التي سبقتها عندما ساهمت عوامل عدة في خسارة الانفصاليين لتلك الحرب؟ من بين تلك العوامل إطلاق صواريخ بعيدة المدى في اتجاه صنعاء ما مكّن السلطة المركزية من حشد المواطنين حولها بعدما استهدفت الصواريخ مواقع مدنية. ثمة عامل آخر ساهم في سقوط مشروع الانفصال رغم كل الدعم الذي حظي به من بعض الجهات الإقليمية. يتمثل هذا العامل في مسارعة السيد علي سالم البيض إلى إعلان انتهاء الوحدة وقيام كيان مستقل في ما كان يُسمى المحافظات الجنوبية مستخفاً بالالتفاف السياسي حول القيادة اليمنية التي كانت تضم جنوبيين وشماليين عسكريين ومدنيين. كانت تلك إشارة إلى رغبة في الانقلاب على دولة الوحدة من دون مبرر شرعي مقنع ومن دون مشروع سياسي قابل للحياة. بدا البيض في حينه وكأن همه الأوحد خلق كيان منفصل على أي جزء من الأرض اليمنية، غير آبه بالنتائج التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الخطوة الخطيرة. وكان انتقاله إلى مسقط رأسه في حضرموت، بعد اقتراب القوات التابعة للسلطة من عدن، بمثابة دليل على أن هدفه النهائي ليس العودة إلى «جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية» التي دخلت، بقرار واضح لا رجعة عنه منه، في وحدة اندماجية مع «الجمهورية العربية اليمنية» بمقدار ما أنه يريد الانفصال، أي انفصال. لم يكن اليمنيون، بما في ذلك المواطنون في ما كان يسمى الجنوب، يعتقدون أن الانفصال مشروع قابل للحياة وأنه السبيل الوحيد للخروج من المأزق السياسي الذي تمر به البلاد بعدما قرر البيض، الذي كان، أيضاً، نائباً لرئيس مجلس الرئاسة، الاعتكاف في منزله في عدن... التي توجه إليها مباشرة إثر رحلة إلى الولايات المتحدة في خريف العام 1993!
هناك نقاط تشابه كثيرة بين 1994 و2009 في اليمن ولكن هناك أيضاً بعض الفوارق. يمكن الفارق الأوّل في وجود تمرد الحوثيين في محافظة صعدة الشمالية. والحوثيون متهمون بتلقي دعم إيراني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهم ينشرون علناً المذهب الشيعي الاثنى عشري في بلد لا وجود فيه لهذا المذهب. أما الفارق الآخر المهم فهو يقوم على عدم وجود قوات مسلحة خاصة بالانفصاليين، كما كانت الحال في العام 1994، حين كان لدى الحزب الاشتراكي جيشه. هل رهان الانفصاليين في العام 2009 على الضغط الذي يشكله الحوثيون على السلطة تعويضاً عن عدم امتلاكهم تنظيماً مسلحاً أو جيشاً نظامياً هذه المرة؟
في كل الأحوال، يواجه المشروع الانفصالي في اليمن مشكلة. تكمن المشكلة في أنه ليس متماسكاً، ذلك أن كل يمني، أكان من الشمال أو الجنوب أو الوسط، يعرف في قرارة نفسه أن العودة إلى وجود شطرين لا يحل أي مشكلة. الدليل على ذلك أن تاريخ الكيان الذي كان قائماً في الجنوب بين 1967 و1990 تختصره سلسلة من الحروب الداخلية والاغتيالات التي لا يزال بعضها غامضاً بلغت ذروتها في الثالث عشر من يناير 1986 تاريخ سقوط النظام وانهياره الفعلي نتيجة حرب أهلية ارتدت طابعاً مناطقياً وعشائرياً وقبلياً ذهب ضحيتها الآلاف بمن فيهم شخصيات بارزة مثل عبدالفتّاح إسماعيل وعلي عنتر وصالح مصلح قاسم وعلي شائع.
لا يمكن العودة إلى الماضي من أجل الهرب من المشاكل التي تواجه اليمن اليوم. هناك مشاكل كبيرة تحتاج إلى معالجة في اليمن. لا يمكن القول إن كل شيء على ما يرام. لكن الانفصال، حتى لو انضم إليه شخص مثل طارق الفضلي، وهو من الأفغان العرب والذي يمتلك جذوراً في محافظة أبين، ليس حلاً لمشاكل اليمن في أي شكل في الأشكال. مشاكل اليمن تحل في إطار الوحدة وفي إطار ديموقراطي بعيداً عن التشنجات، بعيداً عن المكابرة بغض النظرعن الجهة التي تلجأ إلى المكابرة. بعض التواضع ضروري. يفترض في الجميع العودة إلى الطبيعة اليمنية المتواضعة بعيداً عن كل ما من شأنه أن يقود إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء. في النهاية، يبدو مفيداً ممارسة عملية نقد للذات ولكن في إطار الوحدة. الوحدة لا تخدم الاستقرار الداخلي فحسب، بل الاستقرار الإقليمي في منطقة حساسة جداً أيضاً... هل من يريد أن يتذكر في كل لحظة أن الصومال على بعد مرمى حجر من اليمن؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=135089