المرسى
02-08-2006, 04:38 PM
يعد الأديب والصحفي الفرنسي فيليب سوبو أحد أشهر الشعراء/الرحّالة في القرن العشرين. وقد أسهم، بين سنة 1918 وسنة 1920، وبشكل فعّال، في الحركة الدادية وذلك قبل أن يضع، هو وأندره بريتون ولويس أراجون، اللبنات الأولى للسريالية وينشروا معاً بياناتها الحماسية ويؤسسوا مجلة Litterature. لكن فيليب سوبو لم يلبث أن ابتعد عن أصدقائه السرياليين الذين اتهموه بعدم الالتزام السياسي والولع بالرواية إذ إنه نشر بين سنة 1923 وسنة 1928 خمس روايات. وفي سنة 1926، غادر فيليب سوبو باريس و بدأ سلسلة طويلة من الرحلات عبر العالم أراد أن يكون من خلالها شاهداً على عصره. ففي كتابه "رحلة إلى الاتحاد السوفييتي" 1930، قدّم وصفاً دقيقاً لمظاهر الحياة الجديدة هناك. وظلّ في الوقت نفسه يهتم بالشعر والشعراء حيث ألّف ديوانين وثلاث دراسات عن لوتريامون ووليام بليك وأندره بريتون. وستظل "الحقول المغناطيسية"- الديوان الذي مارس فيه سوبو وبريتون الكتابة التلقائية écriture automatique- معلماً بارزاً في تاريخ الشعر الحديث.
في ما يأتي ترجمة للصفحات التي كتبها سوبو عن عدن إثر زيارته لها سنة 1951.
من الطائرة التي كانت تدور في السماء في انتظار الحصول على تصريح الهبوط، لمحت عـدن محاطة ببراكينها الساكنة. كان باستطاعتي أن أتبيّن من فوق حيوية ميناء عدن: أسطول من سفن الحمول الضخمة وقد ارتصت بمحاذاة الأرصفة، مخازن الوقود الكبيرة التي تشبه أكواماً من الفطريات الملتصقة بعضها ببعض، وكذلك الملاّحات الشاسعة التي تلمع في الأفق وقد تناثرت وسطها الطواحين الهوائية، وحركة السيارات الداخلة والخارجة دون انقطاع كأنّها شجيرة لبلاب متسلقة. وعندما انحرفت الطائرة لتبدأ عملية الهبوط استطعت أن ألمح تحتي الرجال كالنمل وهم يتجهون نحو أرصفة الميناء، ومراكب وقوارب آلية لا تختلف عن الأحياء المائية الضخمة وهي تدور حول البواخر الكبيرة التي بدت بمصابيحها ونوافذها المضاءة وكأنها تقيم عرساً.
قيل لي - لكني لم أكن لأصدّق قبل مجيئي إلى هنا- إن عدن الواقعة على حافة الصحراء العربية قد غدت أحد أهم مراكز التوزيع في العالم: فالسفن القادمة من أوروبا باتجاه الشرق الأقصى واستراليا وجزر أوقيانيا والهند تتوقف جميعها في عدن لسد حاجتها من الوقود. ويمكننا بالفعل أن نشاهد في الميناء السفن العملاقة والمركب الشراعية وناقلات النفط وهي تشق طريقها كالثعالب باتجاه محطات خزن الوقود. لهذا يمكننا التأكيد أنّ عدن تسيطر على حركة التجارة المنتعشة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي مثلما يسيطر جبل طارق على حركة الملاحة بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسّط.
عند وصول البريطانيين إلى عدن، سنة 1839، كان من الصعب التنبؤ بحجم التطور الكبير الذي أحدثه حفر قناة السويس في اقتصاد العالم. فقبل مائة سنة كان البحر الأحمر خليجاً مغلقاً لا تمر في مياهه إلاّ المراكب الشراعية، وكانت عدن بلدة صغيرة تقطنها خمس مائة نسمة من العرب. وقد سعت الحكومة البريطانية إلى احتلالها لتجعلها دعامة لها في طريق الهند. ومن ذلك الحين، وبالتحديد بعد افتتاح قناة السويس، أصبحت عدن أحد أنشط الموانئ في العالم. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الصهاريج التاريخية الضخمة التي لا تزال قائمة في عدن يمكننا القول إن هذه المدينة كانت مهمة أيضاً في الماضي.
حطّت الطائرة في مدرج شاسع شُيِّد بين الجبال البركانية والبحر وتحيط به المعسكرات التابعة للقوات الجوية الملكية. في تلك اللحظات كان سربٌ من الطائرات العسكرية يتأهب للإقلاع للقيام ببعض التمرينات الليلية.
غادرت المطار بسرعة واتجهت نحو المدينة. ولكني لم استطع العثور علي غرفة في أي فندق. في تلك الليلة لم استطع النوم فوق سرير إلاّ بفضل لطف خمسة من المسافرين الذين قبلوا أن أشاركهم غرفتهم. وكي يفسروا لي هذا النقص الحاد في الغرف أكدوا أن المدينة تكبر وتتسع بسرعة فائقة وأنّ عدداً كبيراً من الخطوط الجوية تمر في عدن، ومن الصعب بناء عدد من الفنادق يكفي لإيواء المسافرين الذين يرتفع عددهم باستمرار.
يتبععععععععععععععععععععععععع >>>>>>>V
V
V
في ما يأتي ترجمة للصفحات التي كتبها سوبو عن عدن إثر زيارته لها سنة 1951.
من الطائرة التي كانت تدور في السماء في انتظار الحصول على تصريح الهبوط، لمحت عـدن محاطة ببراكينها الساكنة. كان باستطاعتي أن أتبيّن من فوق حيوية ميناء عدن: أسطول من سفن الحمول الضخمة وقد ارتصت بمحاذاة الأرصفة، مخازن الوقود الكبيرة التي تشبه أكواماً من الفطريات الملتصقة بعضها ببعض، وكذلك الملاّحات الشاسعة التي تلمع في الأفق وقد تناثرت وسطها الطواحين الهوائية، وحركة السيارات الداخلة والخارجة دون انقطاع كأنّها شجيرة لبلاب متسلقة. وعندما انحرفت الطائرة لتبدأ عملية الهبوط استطعت أن ألمح تحتي الرجال كالنمل وهم يتجهون نحو أرصفة الميناء، ومراكب وقوارب آلية لا تختلف عن الأحياء المائية الضخمة وهي تدور حول البواخر الكبيرة التي بدت بمصابيحها ونوافذها المضاءة وكأنها تقيم عرساً.
قيل لي - لكني لم أكن لأصدّق قبل مجيئي إلى هنا- إن عدن الواقعة على حافة الصحراء العربية قد غدت أحد أهم مراكز التوزيع في العالم: فالسفن القادمة من أوروبا باتجاه الشرق الأقصى واستراليا وجزر أوقيانيا والهند تتوقف جميعها في عدن لسد حاجتها من الوقود. ويمكننا بالفعل أن نشاهد في الميناء السفن العملاقة والمركب الشراعية وناقلات النفط وهي تشق طريقها كالثعالب باتجاه محطات خزن الوقود. لهذا يمكننا التأكيد أنّ عدن تسيطر على حركة التجارة المنتعشة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي مثلما يسيطر جبل طارق على حركة الملاحة بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسّط.
عند وصول البريطانيين إلى عدن، سنة 1839، كان من الصعب التنبؤ بحجم التطور الكبير الذي أحدثه حفر قناة السويس في اقتصاد العالم. فقبل مائة سنة كان البحر الأحمر خليجاً مغلقاً لا تمر في مياهه إلاّ المراكب الشراعية، وكانت عدن بلدة صغيرة تقطنها خمس مائة نسمة من العرب. وقد سعت الحكومة البريطانية إلى احتلالها لتجعلها دعامة لها في طريق الهند. ومن ذلك الحين، وبالتحديد بعد افتتاح قناة السويس، أصبحت عدن أحد أنشط الموانئ في العالم. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الصهاريج التاريخية الضخمة التي لا تزال قائمة في عدن يمكننا القول إن هذه المدينة كانت مهمة أيضاً في الماضي.
حطّت الطائرة في مدرج شاسع شُيِّد بين الجبال البركانية والبحر وتحيط به المعسكرات التابعة للقوات الجوية الملكية. في تلك اللحظات كان سربٌ من الطائرات العسكرية يتأهب للإقلاع للقيام ببعض التمرينات الليلية.
غادرت المطار بسرعة واتجهت نحو المدينة. ولكني لم استطع العثور علي غرفة في أي فندق. في تلك الليلة لم استطع النوم فوق سرير إلاّ بفضل لطف خمسة من المسافرين الذين قبلوا أن أشاركهم غرفتهم. وكي يفسروا لي هذا النقص الحاد في الغرف أكدوا أن المدينة تكبر وتتسع بسرعة فائقة وأنّ عدداً كبيراً من الخطوط الجوية تمر في عدن، ومن الصعب بناء عدد من الفنادق يكفي لإيواء المسافرين الذين يرتفع عددهم باستمرار.
يتبععععععععععععععععععععععععع >>>>>>>V
V
V