سمعون
01-27-2006, 06:01 PM
ليل المكلا يمتد من أطراف الماء وحتى أطراف السماء حيث يحتل الناس ليلا كرنيشها للاستمتاع برؤيته
المدرسة الوسطى التي تأسست عام 1944م تخرج منها معظم الساسة والمفكرين من أبناء حضرموت
قرية الهجرين تزهو بتاجها الأبيض وحولها وادٍ فسيح تحرسها سلاسل وحيطان الجبال
> حين حامت بنا اليمنية فوق زرقة البحر.. نقاء الرمال المتداخلة.. تراءت لنا المكلا.. «الخيصة».. عنقوداً منثوراً بين الجبال الداكنة.. وعلى امتداد الشواطئ البيضاء.
هذه هي المرة الأولى التي اهبط حضرموت من السماء.. اتيناها شوقاً وعشقاً.
محمد الغربي عمران
المكلا مدينة اتسعت بصورة مدهشة.. وهي ليست من المدن القديمة.. فلم تعرف إلا في عصر الامارة الكسادية عام 1115هــ وكانت تعرف بالخيصة.
كانت الساعة في تمام الثالثة عصراً.. تناولنا وجبة الغداء في مطعم الفندق.. نطل على البحر من فوق ربوة عالية.. ومن خلفنا اجنحة جبال «خلف» بشكلها الخرافي.
كان علينا ان نتعرف على معالم المكلا.. في ثاني ايامنا.. طفنا الحي القديم «حي السلام».. مسجد عمر.. ثم المكتبة السلطانية.. التي اسسها السلطان صالح بن غالب في منتصف القرن الماضي.
زرنا قصر القعيطي.. الذي يطل على البحر. وقصر القعيطي يلفت الانتباه.. فخامة اجزائه.. وتعدد شرفاته.. دوماً يتطلع الى البحر بملامحه الهندية.
ثلاثة ايام في المكلا.. زرنا مركز بالفقيه الثقافي وهو مبنى حديث.. وقد حرص مصممه على ان يستلهم الجماليات والخصائص الحضرمية في فن البناء.. فكان المركز لوحة نادرة تجاور البحر.. وتزين اطراف فوة.
حضرنا عدة أماسي ثقافية.. من فن وأدب.
زرنا دار آل لادن في الديس.. طفنا اطراف فوَّة.. كما صعدنا الى قلاع قادرة المكلا.
لكن ما أدهش الجميع وامتعهم هو الليل.. ليل المكلا الذي لايشبه ليالي المدن الاخرى.. فما ان يسدل الليل اجفانه.. حتى تلفظ الدور سكانها.. فيحتل الناس ارصفة كورنيش خور المكلا.. يلعبون الدومنة.. يرتشفون الشاي.. يرتفع صخب اصواتهم حول لسان الخور الذي يمتد لأكثر من 1500 متر.. والذي تزين اطرافه انارة ذات طراز عتيق.. ومدرجات حجرية غاية في الاتقان.
ليل المكلا يمتد من اطراف الماء وحتى اطراف السماء.. لا وقت لدينا كي نبدده.. ولا تكفي الأيام السبعة المخصصة للتعرف على «حضرموت بن سبأ».. ولذا توجهنا نحو الشحر« سعاد».. هذه المدينة العريقة.. والتي لعبت عبر عصور عديدة دور المدينة المنفتحة داخلياً وخارجياً.
سرنا بمحاذاة البحر شرقاً لأكثر من 60 كيلومتراً.. حينها وصلنا الشحر.. مدينة يجللها بياض التاريخ.. طفنا بأحيائها: سمعون،دار ناصر، حصن بن عياش، قبة العيدرس، بوابتها سدة الخور، كما درنا حول سورها التاريخي.. قرأنا الفاتحة على روح الشاعر المحضار.. وحين كنا نقابل بعض السكان.. كانت دهشتنا كبيرة.. فهم ابناء بحر.. وهم اصحاب نكتة.. وخفة دم.
ودعنا الشحر.. وقبل ان نزور مدينة الغيل في طريق عودتنا الى المكلا.. زرنا تلة دار البياتي.. هذه التلة المليئة بالأسرار التاريخية.. ثم زرنا منطقة تبالة.. حيث القلاع الشامخة.. التي تطل على وادي اخضر.
وحين اقتربنا من مدينة غيل باوزير.. كان علينا زيارة مدينة صغيرة هي الشجر.
الروعة والادهاش
تبعد مدينة الغيل عن المكلا 43 كيلو متراً.. وهي تمتلك مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية.. حيث تحيط بها العيون.. والتي تسمى (حومات) وهي على شكل فوهات صخرية في باطن الأرض مليئة بالمياه النقية.. ويزيد محيط بعض هذه الفوهات على اكثر من 300 متر.. ولوجود المياه الغزيرة تشتهر مدينة الغيل بزراعة الحناء والتنباك اضافة الى انواع كثيرة من الخضار والفواكه.
والغيل مثل بقية مدن حضرموت..مدينة يهتم أهلها بالتراث والأدب.. ومايلفت نظر الزائر لهذه المدينة تعدد وانتشار قبب الأولياء.. بل ان بعض هذه القباب تتجاوز احجامها الكبيرة المنازل المحيطة.. بحيث تظهر وكأنها تحرس دور المدينة من كل اتجاه.
وقد زرنا ضريح المسيجري وكذلك قصر الباغ والقلعة الأثرية.. ثم اول مدرسة ثانوية في حضرموت وهي المدرسة الوسطى والتي تم تأسيسها عام 1944م.. وهي التي يعود الفضل اليها في تخريج معظم الساسة والمفكرين من ابناء حضرموت.
ناطحات سحاب الصحراء..!
بعد ان اكتملت فترة المكلا- حسب البرنامج - ودعنا ساحل حضرموت متجهين الى حضرموت الوادي في صباح يوم مشرق.. عبر هضبة صخرية يمتد عرضها الى اكثر من 002كيلو متر.. الهضبة الصخرية تتكون من ذرات الرمال المنصهرة.. وهذه الهضبة الصخرية ليست الوحيدة.. وقد اسميتها بالهضبة لعرضها الشاسع.. اما طولها فيمتد الى مئات الأمتار وقد تتجاوز الألف كيلو متر من الشرق الى الغرب.. وهذه الهضبة او الحائط الصخري يفصل بين حضرموت الساحل ووادي حضرموت.. وهناك حائط صخري آخر الى الشمال من وادي حضرموت وهو يفصل بين الوادي والصحراء.. ويمر موازياً للحائط الساحلي.
يستوطن هذه المرتفعات او السلاسل الجبلية بدو الجبال والذين يعملون في الرعي.
وحضرموت الوادي غير حضرموت الساحل.. فبحكم اختلاف المناخ.. حيث وان مناخ الوادي مناخ صحراوي جاف ولهذا فقد تجذرت حضارة الطين وتطورت.. فيجد الزائر ان الانسان في وادي حضرموت قد تفنن وابدع في دور عبادته وفي مسكنه.. بل في كل مناحي حياته.. فمنازل الوادي لاشبيه لها في اية بقعة من بقاع الأرض.. فهي عبارة عن قصور جميلة.. اما مساجد وادي حضرموت بمناراتها السامقة ذات الشكل المربع فهي آية فنية بديعة بزخارفها الطينية وتعدد الوانها التي تبهر من رآها.
هبطنا وادي دوعن.. احد روافد وادي حضرموت.. لتستقبلنا قرية (خيلة) بمبانيها الطينية الجميلة وغابات النخيل واشجار السدر.. ومن هذه البيئة اشتهر العسل الدوعني.. ومن ازهار تلك الشجيرات الشوكية تنسال اوعية العسل.
وصلنا قرية (الهجرين) قرية هادئة تتوج ربوة عالية.. عروس.. تزهو بتاجها الأبيض.. ومن حولها وادٍ فسيح تحرسها سلاسل وحيطان الجبال.
هنا مرابع امرؤ القيس.. ومن هذه النواحي نبت الشعر والابداع وترعرع الحب العذري.. وهنا آثار الآلهة سين وعثترم وذات حميم.. وفي هذا الوادي المقدس يرقد نبي الله هود ونبي الله صالح عليهما السلام.. وفي ارجاء هذه البلاد تتردد اصوات الأولياء الصالحين من تحت قبابهم المنتشرة في كل مكان.. ببهائها تعانق السماء ولتصدح ادعية المريدين في جوف الليل.
قبة العمودي في دوعن.. وعسنب والهدار في القطن.. وعيسى بن المهاجر في سيئون.. والمسيجري في غيل باوزير.. والمحجوب في المكلا.. والعيدروس واحمد ابو بكر في الشحر.. فأينما نظرت ستجد روحك في حضرة اولياء الله.. وفي وادي حضرموت اربطة العلم ومرجعياته وفيه اسرار لاتكشف عن نفسها.
آية الطين
اتجهنا من وادي دوعن نحو شبام.. كان الوقت قد ادركنا والشمس تدنو من الغياب.. حين رأينا رؤوس ناطحات السحاب كأنها رؤوس زرافات متجاورة.
آية الوادي الفسيح.. من بعيد صفوف الجبال -كالحوائط- لاتنتهي.
انها شبام حضرموت.. وفي اليمن اكثر من مكان له نفس الاسم.. ففي صنعاء شبام الغراس.. وفي كوكبان شبام يعفر.. وفي حراز شبام الياعبر.
لكن لاشبام تشبه شبام.. شبام حضرموت آية الطين.. مدينة الأرض.. بسورها المحكم وبابها الوحيد.. الذي يعود تاريخها الى القرن الرابع الميلادي.. وتنسب الى شبام بن حضرموت بن سبأ.
دخلنا الى ساحتها.. كانت الدور تلامس السماء بارتفاعاتها التي تجاوز الــ04متراً.
كل دار عروس تزينه ابواب منقوشة.. ونوافذ مزخرفة ومخرمات مرسومة.
ولأن المباني عالية ومتقاربة -حتى يخيل للرائي انها في عناق دائم اوتسرد حكاياتها.. يوشوش بعضها بعضاً- فقد ابتكر السكان ممرات علوية تربط البيوت ببعضها.. كانت تستخدم عند الحروب لانتقال المقاتلين بعتادهم من دار الى دار.. اما الأن فإن تلك الجسور المعلقة تستخدمها النساء في زياراتهن لبعضهن بعضاً عوضاً عن النزول والسير في الشارع.
قبل اللقاء التالي
ومن يزر حضرموت فلن يعود إلا وقد ابتاع هدايا متنوعة منها.
العسل الدوعني الشهير بفوائده وكذلك البخور ذي الرائحة الشبقية واللبان والحلوى المصنوعة بطريقة مبتكرة ولحم القرش المجفف « اللخم» وقطع من الأخطبوط المعد وكذلك اصناف عديدة من الأطعمة الحضرمية المجففة اضافة الى الحناء والتنباك الغيلي.
ولم نودع حضرموت إلا بعد ان حضرنا جلسة دان.. حيث يتساجل الشعر على انغام الموسيقى.. ويقوم احد الشباب بترديد مايقوله الشعراء بصوت شجي.. ثم اختتمت سهرة الوداع بعدة رقصات جميلة تقام في مناسبات محلية منها:
(رقصة الكامبور.. العدة.. الشبواني) كانت ليالي واياماً في ربوع الوادي المقدس حيث اجتمعت الصحراء بالجبل والوديان بالسواحل الساحرة.
ومن وطأ الوادي المبارك فلابد ان يعود اليه.
مدينة القصور
كانت سيئون تنتظرنا.. انها عاصمة الوادي.. فهي تفيض بنخيلها حتى لكأنها غابة.. ومنازلها ظليلة سعف النخيل الباسق.. تتكئ على سفح جبل ينظر اليها من عليائه بحنان.
يضفي عليها قصر (الدويل) مسحة بهاء وجلال.. يسمى القصر الأبيض او قصر الثورة.. وان كان الأهالي يفضلون تسميته قصر سيئون.
ومثلما تعددت اسماؤه.. تعددت مداخلة وتعددت سراديبه واسراره.
انشئ هذا الصرح المجيد عام 814هــ على ايدي سلاطين آل الكثيري.. ثم على يد بدر بوطويرق والذي وسعه عام 922 هــ وقد أتى السلطان منصور بن غالب الكثيري ليهدمه ويعيد بناءه من جديد في شكله الحالي حتى اليوم.
اما لونه الناصع البياض فيعود الى عام 1926م على يد السلطان علي بن منصور الكثيري.
وهذا القصر المنيف يتوسط سيئون.. وتحيط به مساجد المدينة وأسواقها.. وتلتقي عنده الطرقات وتقبع حوله الساحات.
سيئون مدينة يشتهر اهلها بأساليب حياتهم الاقتصادية وتدبيرهم واقتصادهم كما يشتهر السكان بخفة الدم.
ومن يصل الي سيئون لابد ان يزور تريم.. المدينة التي اختطها قبل الميلاد الملك اسعد الكامل.. وتعود تسميتها الى الملك تريم بن سبأ.. وتريم من اعرق مدن الوادي.
وكان لتريم 360 مسجداً.. إلاَّ ان ماتبقى حتى اليوم لايتجاوز 120 مسجداً وجامعاً.. وابرز تلك الجوامع جامع تريم.. والجامع الشهير بمئذنته السامقة جامع المحضار.
ويبلغ طول منارة المحضار 175 متراً والمبنية بشكلها المميز ذات الأربعة اضلاع والتي بنيت من الطين وجذوع الأشجار.. وهي احد المعالم الشهيرة لتريم بل وعلى مستوى شبه جزيرة العرب.
وقد قام ببناء مسجد المحضار والذي اليه ينسب عمر المحضار بن عبدالرحمن السقاف.. ويعود في تصميم هذا المسجد الى الشاعر الأديب ابو بكر بن شهاب.
كما تشتهر مدينة تريم بمكتبتها (مكتبة الأحقاف) والتي تحتوي على «6200» مخطوطة.. منها عدد كبير في حكم النادر.
كما تمتاز تريم بتعدد القصور ذات الطراز الفريد.. وهي قصور ذات مهابة خاصة.. وقد بنيت من الطين وتم طلاؤها بمواد ذات الوان قوية ومتعددة.. ومن تلك القصور.. قصر (القبة) وقصر (تريم).. وتحيط بقصور تريم حدائق غناءه واسعة.
وتشتهر تريم بتعدد اربطتها العلمية والدينية.. وقد بلغ شهرتها الآفاق.. ويقصدها طلبة العلم من مختلف انحاء العالم الاسلامي واشهر تلك الأربطة (دار المصطفى).
وتريم مثلها مثل بقية مدن حضرموت.. تشتهر بمشغولاتها اليدوية كما تشتهر بإعداد الشاي الحضرمي الذي يعد على البخار.. اضافة الى الأكلات الحضرمية والتي تعد بطرق مختلفة فهناك مايطهى على الصخور المحماة ومايطهى في باطن الأرض بعد ان يدفن اللحم مع الجمر.
اضافة الى المأكولات البحرية مثل طبخ احشاء الحوت بتوابل خاصة
المدرسة الوسطى التي تأسست عام 1944م تخرج منها معظم الساسة والمفكرين من أبناء حضرموت
قرية الهجرين تزهو بتاجها الأبيض وحولها وادٍ فسيح تحرسها سلاسل وحيطان الجبال
> حين حامت بنا اليمنية فوق زرقة البحر.. نقاء الرمال المتداخلة.. تراءت لنا المكلا.. «الخيصة».. عنقوداً منثوراً بين الجبال الداكنة.. وعلى امتداد الشواطئ البيضاء.
هذه هي المرة الأولى التي اهبط حضرموت من السماء.. اتيناها شوقاً وعشقاً.
محمد الغربي عمران
المكلا مدينة اتسعت بصورة مدهشة.. وهي ليست من المدن القديمة.. فلم تعرف إلا في عصر الامارة الكسادية عام 1115هــ وكانت تعرف بالخيصة.
كانت الساعة في تمام الثالثة عصراً.. تناولنا وجبة الغداء في مطعم الفندق.. نطل على البحر من فوق ربوة عالية.. ومن خلفنا اجنحة جبال «خلف» بشكلها الخرافي.
كان علينا ان نتعرف على معالم المكلا.. في ثاني ايامنا.. طفنا الحي القديم «حي السلام».. مسجد عمر.. ثم المكتبة السلطانية.. التي اسسها السلطان صالح بن غالب في منتصف القرن الماضي.
زرنا قصر القعيطي.. الذي يطل على البحر. وقصر القعيطي يلفت الانتباه.. فخامة اجزائه.. وتعدد شرفاته.. دوماً يتطلع الى البحر بملامحه الهندية.
ثلاثة ايام في المكلا.. زرنا مركز بالفقيه الثقافي وهو مبنى حديث.. وقد حرص مصممه على ان يستلهم الجماليات والخصائص الحضرمية في فن البناء.. فكان المركز لوحة نادرة تجاور البحر.. وتزين اطراف فوة.
حضرنا عدة أماسي ثقافية.. من فن وأدب.
زرنا دار آل لادن في الديس.. طفنا اطراف فوَّة.. كما صعدنا الى قلاع قادرة المكلا.
لكن ما أدهش الجميع وامتعهم هو الليل.. ليل المكلا الذي لايشبه ليالي المدن الاخرى.. فما ان يسدل الليل اجفانه.. حتى تلفظ الدور سكانها.. فيحتل الناس ارصفة كورنيش خور المكلا.. يلعبون الدومنة.. يرتشفون الشاي.. يرتفع صخب اصواتهم حول لسان الخور الذي يمتد لأكثر من 1500 متر.. والذي تزين اطرافه انارة ذات طراز عتيق.. ومدرجات حجرية غاية في الاتقان.
ليل المكلا يمتد من اطراف الماء وحتى اطراف السماء.. لا وقت لدينا كي نبدده.. ولا تكفي الأيام السبعة المخصصة للتعرف على «حضرموت بن سبأ».. ولذا توجهنا نحو الشحر« سعاد».. هذه المدينة العريقة.. والتي لعبت عبر عصور عديدة دور المدينة المنفتحة داخلياً وخارجياً.
سرنا بمحاذاة البحر شرقاً لأكثر من 60 كيلومتراً.. حينها وصلنا الشحر.. مدينة يجللها بياض التاريخ.. طفنا بأحيائها: سمعون،دار ناصر، حصن بن عياش، قبة العيدرس، بوابتها سدة الخور، كما درنا حول سورها التاريخي.. قرأنا الفاتحة على روح الشاعر المحضار.. وحين كنا نقابل بعض السكان.. كانت دهشتنا كبيرة.. فهم ابناء بحر.. وهم اصحاب نكتة.. وخفة دم.
ودعنا الشحر.. وقبل ان نزور مدينة الغيل في طريق عودتنا الى المكلا.. زرنا تلة دار البياتي.. هذه التلة المليئة بالأسرار التاريخية.. ثم زرنا منطقة تبالة.. حيث القلاع الشامخة.. التي تطل على وادي اخضر.
وحين اقتربنا من مدينة غيل باوزير.. كان علينا زيارة مدينة صغيرة هي الشجر.
الروعة والادهاش
تبعد مدينة الغيل عن المكلا 43 كيلو متراً.. وهي تمتلك مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية.. حيث تحيط بها العيون.. والتي تسمى (حومات) وهي على شكل فوهات صخرية في باطن الأرض مليئة بالمياه النقية.. ويزيد محيط بعض هذه الفوهات على اكثر من 300 متر.. ولوجود المياه الغزيرة تشتهر مدينة الغيل بزراعة الحناء والتنباك اضافة الى انواع كثيرة من الخضار والفواكه.
والغيل مثل بقية مدن حضرموت..مدينة يهتم أهلها بالتراث والأدب.. ومايلفت نظر الزائر لهذه المدينة تعدد وانتشار قبب الأولياء.. بل ان بعض هذه القباب تتجاوز احجامها الكبيرة المنازل المحيطة.. بحيث تظهر وكأنها تحرس دور المدينة من كل اتجاه.
وقد زرنا ضريح المسيجري وكذلك قصر الباغ والقلعة الأثرية.. ثم اول مدرسة ثانوية في حضرموت وهي المدرسة الوسطى والتي تم تأسيسها عام 1944م.. وهي التي يعود الفضل اليها في تخريج معظم الساسة والمفكرين من ابناء حضرموت.
ناطحات سحاب الصحراء..!
بعد ان اكتملت فترة المكلا- حسب البرنامج - ودعنا ساحل حضرموت متجهين الى حضرموت الوادي في صباح يوم مشرق.. عبر هضبة صخرية يمتد عرضها الى اكثر من 002كيلو متر.. الهضبة الصخرية تتكون من ذرات الرمال المنصهرة.. وهذه الهضبة الصخرية ليست الوحيدة.. وقد اسميتها بالهضبة لعرضها الشاسع.. اما طولها فيمتد الى مئات الأمتار وقد تتجاوز الألف كيلو متر من الشرق الى الغرب.. وهذه الهضبة او الحائط الصخري يفصل بين حضرموت الساحل ووادي حضرموت.. وهناك حائط صخري آخر الى الشمال من وادي حضرموت وهو يفصل بين الوادي والصحراء.. ويمر موازياً للحائط الساحلي.
يستوطن هذه المرتفعات او السلاسل الجبلية بدو الجبال والذين يعملون في الرعي.
وحضرموت الوادي غير حضرموت الساحل.. فبحكم اختلاف المناخ.. حيث وان مناخ الوادي مناخ صحراوي جاف ولهذا فقد تجذرت حضارة الطين وتطورت.. فيجد الزائر ان الانسان في وادي حضرموت قد تفنن وابدع في دور عبادته وفي مسكنه.. بل في كل مناحي حياته.. فمنازل الوادي لاشبيه لها في اية بقعة من بقاع الأرض.. فهي عبارة عن قصور جميلة.. اما مساجد وادي حضرموت بمناراتها السامقة ذات الشكل المربع فهي آية فنية بديعة بزخارفها الطينية وتعدد الوانها التي تبهر من رآها.
هبطنا وادي دوعن.. احد روافد وادي حضرموت.. لتستقبلنا قرية (خيلة) بمبانيها الطينية الجميلة وغابات النخيل واشجار السدر.. ومن هذه البيئة اشتهر العسل الدوعني.. ومن ازهار تلك الشجيرات الشوكية تنسال اوعية العسل.
وصلنا قرية (الهجرين) قرية هادئة تتوج ربوة عالية.. عروس.. تزهو بتاجها الأبيض.. ومن حولها وادٍ فسيح تحرسها سلاسل وحيطان الجبال.
هنا مرابع امرؤ القيس.. ومن هذه النواحي نبت الشعر والابداع وترعرع الحب العذري.. وهنا آثار الآلهة سين وعثترم وذات حميم.. وفي هذا الوادي المقدس يرقد نبي الله هود ونبي الله صالح عليهما السلام.. وفي ارجاء هذه البلاد تتردد اصوات الأولياء الصالحين من تحت قبابهم المنتشرة في كل مكان.. ببهائها تعانق السماء ولتصدح ادعية المريدين في جوف الليل.
قبة العمودي في دوعن.. وعسنب والهدار في القطن.. وعيسى بن المهاجر في سيئون.. والمسيجري في غيل باوزير.. والمحجوب في المكلا.. والعيدروس واحمد ابو بكر في الشحر.. فأينما نظرت ستجد روحك في حضرة اولياء الله.. وفي وادي حضرموت اربطة العلم ومرجعياته وفيه اسرار لاتكشف عن نفسها.
آية الطين
اتجهنا من وادي دوعن نحو شبام.. كان الوقت قد ادركنا والشمس تدنو من الغياب.. حين رأينا رؤوس ناطحات السحاب كأنها رؤوس زرافات متجاورة.
آية الوادي الفسيح.. من بعيد صفوف الجبال -كالحوائط- لاتنتهي.
انها شبام حضرموت.. وفي اليمن اكثر من مكان له نفس الاسم.. ففي صنعاء شبام الغراس.. وفي كوكبان شبام يعفر.. وفي حراز شبام الياعبر.
لكن لاشبام تشبه شبام.. شبام حضرموت آية الطين.. مدينة الأرض.. بسورها المحكم وبابها الوحيد.. الذي يعود تاريخها الى القرن الرابع الميلادي.. وتنسب الى شبام بن حضرموت بن سبأ.
دخلنا الى ساحتها.. كانت الدور تلامس السماء بارتفاعاتها التي تجاوز الــ04متراً.
كل دار عروس تزينه ابواب منقوشة.. ونوافذ مزخرفة ومخرمات مرسومة.
ولأن المباني عالية ومتقاربة -حتى يخيل للرائي انها في عناق دائم اوتسرد حكاياتها.. يوشوش بعضها بعضاً- فقد ابتكر السكان ممرات علوية تربط البيوت ببعضها.. كانت تستخدم عند الحروب لانتقال المقاتلين بعتادهم من دار الى دار.. اما الأن فإن تلك الجسور المعلقة تستخدمها النساء في زياراتهن لبعضهن بعضاً عوضاً عن النزول والسير في الشارع.
قبل اللقاء التالي
ومن يزر حضرموت فلن يعود إلا وقد ابتاع هدايا متنوعة منها.
العسل الدوعني الشهير بفوائده وكذلك البخور ذي الرائحة الشبقية واللبان والحلوى المصنوعة بطريقة مبتكرة ولحم القرش المجفف « اللخم» وقطع من الأخطبوط المعد وكذلك اصناف عديدة من الأطعمة الحضرمية المجففة اضافة الى الحناء والتنباك الغيلي.
ولم نودع حضرموت إلا بعد ان حضرنا جلسة دان.. حيث يتساجل الشعر على انغام الموسيقى.. ويقوم احد الشباب بترديد مايقوله الشعراء بصوت شجي.. ثم اختتمت سهرة الوداع بعدة رقصات جميلة تقام في مناسبات محلية منها:
(رقصة الكامبور.. العدة.. الشبواني) كانت ليالي واياماً في ربوع الوادي المقدس حيث اجتمعت الصحراء بالجبل والوديان بالسواحل الساحرة.
ومن وطأ الوادي المبارك فلابد ان يعود اليه.
مدينة القصور
كانت سيئون تنتظرنا.. انها عاصمة الوادي.. فهي تفيض بنخيلها حتى لكأنها غابة.. ومنازلها ظليلة سعف النخيل الباسق.. تتكئ على سفح جبل ينظر اليها من عليائه بحنان.
يضفي عليها قصر (الدويل) مسحة بهاء وجلال.. يسمى القصر الأبيض او قصر الثورة.. وان كان الأهالي يفضلون تسميته قصر سيئون.
ومثلما تعددت اسماؤه.. تعددت مداخلة وتعددت سراديبه واسراره.
انشئ هذا الصرح المجيد عام 814هــ على ايدي سلاطين آل الكثيري.. ثم على يد بدر بوطويرق والذي وسعه عام 922 هــ وقد أتى السلطان منصور بن غالب الكثيري ليهدمه ويعيد بناءه من جديد في شكله الحالي حتى اليوم.
اما لونه الناصع البياض فيعود الى عام 1926م على يد السلطان علي بن منصور الكثيري.
وهذا القصر المنيف يتوسط سيئون.. وتحيط به مساجد المدينة وأسواقها.. وتلتقي عنده الطرقات وتقبع حوله الساحات.
سيئون مدينة يشتهر اهلها بأساليب حياتهم الاقتصادية وتدبيرهم واقتصادهم كما يشتهر السكان بخفة الدم.
ومن يصل الي سيئون لابد ان يزور تريم.. المدينة التي اختطها قبل الميلاد الملك اسعد الكامل.. وتعود تسميتها الى الملك تريم بن سبأ.. وتريم من اعرق مدن الوادي.
وكان لتريم 360 مسجداً.. إلاَّ ان ماتبقى حتى اليوم لايتجاوز 120 مسجداً وجامعاً.. وابرز تلك الجوامع جامع تريم.. والجامع الشهير بمئذنته السامقة جامع المحضار.
ويبلغ طول منارة المحضار 175 متراً والمبنية بشكلها المميز ذات الأربعة اضلاع والتي بنيت من الطين وجذوع الأشجار.. وهي احد المعالم الشهيرة لتريم بل وعلى مستوى شبه جزيرة العرب.
وقد قام ببناء مسجد المحضار والذي اليه ينسب عمر المحضار بن عبدالرحمن السقاف.. ويعود في تصميم هذا المسجد الى الشاعر الأديب ابو بكر بن شهاب.
كما تشتهر مدينة تريم بمكتبتها (مكتبة الأحقاف) والتي تحتوي على «6200» مخطوطة.. منها عدد كبير في حكم النادر.
كما تمتاز تريم بتعدد القصور ذات الطراز الفريد.. وهي قصور ذات مهابة خاصة.. وقد بنيت من الطين وتم طلاؤها بمواد ذات الوان قوية ومتعددة.. ومن تلك القصور.. قصر (القبة) وقصر (تريم).. وتحيط بقصور تريم حدائق غناءه واسعة.
وتشتهر تريم بتعدد اربطتها العلمية والدينية.. وقد بلغ شهرتها الآفاق.. ويقصدها طلبة العلم من مختلف انحاء العالم الاسلامي واشهر تلك الأربطة (دار المصطفى).
وتريم مثلها مثل بقية مدن حضرموت.. تشتهر بمشغولاتها اليدوية كما تشتهر بإعداد الشاي الحضرمي الذي يعد على البخار.. اضافة الى الأكلات الحضرمية والتي تعد بطرق مختلفة فهناك مايطهى على الصخور المحماة ومايطهى في باطن الأرض بعد ان يدفن اللحم مع الجمر.
اضافة الى المأكولات البحرية مثل طبخ احشاء الحوت بتوابل خاصة