المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اغتيال أميركي شريف



القشربه
10-06-2005, 09:40 AM
اغتيال أميركي شريف....بقلم: د. محي الدين اللاذقاني
2005-06-05
________________________________________

الصدفة وحدها جعلتني أشاهد فيلم (اغتيال ريتشارد نيكسون) قبل يومين فقط من الكشف عن شخصية المسؤول الأميركي الرفيع صاحب الحنجرة العميقة الذي ساعد بوب وودورد وكارل برنشتاين على كشف فضيحة ووترجيت التي قادت الى استقالة الرئيس نيكسون.
في الفيلم يتم اغتيال رجل شريف قبل أن يصل الى الرئيس ليصفي معه حساب الأمة، وفي الفضيحة يتم اغتيال الحقيقة والتغطية عليها، وما بين المنحيين يبرز ذلك الخيط الرفيع بين الواقع والفن ليؤكد شرعيته. فالواقع أحيانا أغنى من المخيلة. وفيلم «اغتيال ريتشارد نيكسون« يستند كما يؤكد صانعوه الى قصة واقعية كالفيلم الذي سبقه «كل رجال الرئيس» الذي تم انتاجه عام 1976 بعد عامين على تكشف تفاصيل تلك الفضيحة التي هزت أميركا وكانت وبالصدفة ـ ربما ـ لصالح اسرائيل في مرحلة من أخطر مراحل تاريخها.
وقبل أن تسأل ما علاقة عيشة بأم الخير، عليك ان تتذكر ان محاولات اخفاء فضيحة ووترجيت من قبل البيت الأبيض حدثت عام 1973 أثناء حربنا مع إسرائيل، وان بدايات تكشف خيوطها بدأت بالتسرب الى الصحافة في شهر الحرب الذي قاتل فيه الاسرائيليون بطائرات موسومة بالعلم الأميركي لم يجدو الوقت لتلوينها بالوان سلاحهم الجوي، لتصل الضغوط على الرئيس إلى ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) وتحيله الى بطة عرجاء في البيت الأبيض وتعطي هنري كيسنجر اليد الطولى في ادارة الأزمة بعد الحرب لصالح من خسروا لا لصالح من انتصروا.
هنري كيسنجر نفسه كان حتى الاسبوع الماضي من الشخصيات المتهمة بتسريب أخبار الفضيحة، وكان المخمنون يعتقدون أنه قد يكون الشخصية التي أعطاها وودورد في صحيفة «واشنطن بوست » الاسم الحركي الذائع (الحنجرة العميقة) وهو بالمناسبة اسم فيلم جنسي من انتاج تلك المرحلة المليئة بالغرائب والأسرار.
الفيلم الجديد (اغتيال ريتشارد نيكسون) لا علاقة له بالفضيحة، فهو يحكي عن أميركي شريف يكره الكذب والنفاق، لكنه يعمل مندوب مبيعات، وهي مهنة تتطلب الكثير من الكذب الأبيض والأصفر الذي لا يتقنه، ويرفض أن يتعلمه، فتتدهور حياته ويوشك على الإفلاس، وتنفصل عنه زوجته التي يحبها ويحاول استعادتها مع أطفاله من دون جدوى.
في ذلك الفيلم، ومع كل درس في الكذب يلقنه المدير للبائع الفاشل نسمع في الخلفية خطابا للرئيس ريتشارد نيكسون، وأثناء انتقال الرجل الشريف من وضع سيئ إلى آخر أسوأ، يذهب لزيارة زوجته في المقهى الذي تعمل فيه للحصول على مصروف البيت الذي لم يستطع توفيره، فيجدها بثياب فاضحة وايدي الزبائن الغرباء تداعب من دون خجل صدرها، وعندها يجن جنونه ويقرر أن يقضي على الكذب والنفاق من المنبع باغتيال رئيس كاذب في مجتمع خسر فضيلة الصدق والتعاطف.
ولا حاجة للقول انه يفشل ويدفع حياته ثمنا لمحاولة اختطاف طائرة ينفذ بها عمليته، فقد عاش نيكسون بعد استقالته من دون أن تمتد اليه يد أو رجل حتى مات ميتة طبيعية، وظل المجتمع الأميركي في مرحلة نيكسون وما بعدها يزيف الحقائق ويسوق الكذب والنفاق، ويعتقد سياسيوه والمعجبون بهم في أنحاء أخرى من العالم ان السياسة الناجحة هي تلك التي تعتمد على الغش والتلصص والخداع ولا يمكن تنفيذها الا بالكذب والتمويه والأساليب الملتوية.
www.arabgate.com
wwwfالبريد الألكتروني: m.lazikani@asharqalawsat.com