sfm
09-21-2005, 10:22 PM
قرأت لك هذا المقال عن تاريخ مجلس التعاون الخليجي للكاتب عبدالله بشاره (المصدر: مجلة العربي مجلة شهرية ثقافية مصورة تأسست عام 1958 تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت للوطن العربي ولكل قارئ للعربية في العالم ) العدد رقم 553 بتاريخ 1 / 12 / 2004م الموقع www.alarabimag.net
في شهر مايو 1981, مع توقيع قادة دول مجلس التعاون - في مدينة أبوظبي - على النظام الأساسي لقيام المجلس, وقفت على حجم التصميم الذي أظهره القادة من أجل الحفاظ على الأرض العربية الخليجية, سالمة وبعيدة عن الحرب العراقية - الإيرانية التي انفجرت في سبتمبر 1980, وعلى إصرار القادة على وقف تلك الحرب العبثية.
جئت إلى مجلس التعاون من نيويورك كأول أمين عام للمجلس, حيث قضيت في نيويورك عشر سنوات مندوبًا للكويت في الأمم المتحدة, شهدت فيها سلطان القوة في العلاقات الدولية, ووقفت فيها على سعي الدول العربية, لاسيما في حوض الشام للاستفادة من مكانة دول الخليج, وساهمت شخصيًا في وضع القضايا العربية فوق مصالح الخليج, لم يكن لي كسفير للكويت في الأمم المتحدة قضية كويتية, كانت همومي عربية, وجدول أعمالي تضعه المجموعة العربية في الأمم المتحدة, لاسيما خلال تمثيلي الكويت في مجلس الأمن في 1978-1979 مع تسخير بعثة الكويت وإمكاناتها لقضية فلسطين.
خرجت من الأمم المتحدة نحو مجلس التعاون بشعور بأن الخليج هو الجزء السليم والصحي في الجسم العربي, وأن مسئولياتنا هي الحفاظ عليه, من تسلل الأيديولوجيات الحزبية المخربة, ومن مغامرات الثوريين وبالأخص في العراق وإيران.
وقد شعرت بالارتياح مع وقوفي على عزم القادة على تطويق الخليج بآليات تؤمن له السلامة, ومن هذه الآليات ترتيبات دبلوماسية إقليمية ودولية, وتحالفات استراتيجية مع الدول الكبرى, وتفاهمات تكتيكية مع الحلفاء, خاصة بعد التوجهات الإيرانية بالتعرض للبواخر المتجهة من وإلى موانئ دول المجلس الذي اتسع في عام 1984, ونجاح دول المجلس في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 552 الذي أدى إلى تدويل المنطقة خاصة في التأكيد على حرية الملاحة في الممرات الدولية في منطقة الخليج.
حملت معي من نيويورك درس الإيمان بالقوة كرادع في العلاقات الدولية, فلا حق بلا قوة, ولا صوت للضعيف, ولا عطف للمتوسل, وحملت معي الشعور بأن دول المجلس مستهدفة, وأنها الذخيرة المؤثرة التي تريد دول الجوار (عربا أو غير عرب) الحصول عليها.
غمرتني مشاعر الارتياح في القمة الأولى عام 1981, لأنني وجدت توافقًا في التوجهات مع قرارات القادة بإعطاء الأولوية لإنهاء الحرب, والحفاظ على أمن الخليج, وصيانة تراثه, واستقلاله وسلامة دوله العربية, مع وضع استراتيجية واضحة وهي ترسيخ الحدود القائمة بين إيران والعراق دون تبديل, وتأكيد أهمية بقاء نظام الأمن الإقليمي دون تغيير, بمعنى لا غالب ولا مغلوب في الحرب بين العراق وإيران.
ولا جدال في أن نهاية الحرب في أغسطس 1988, جاءت بسبب عوامل عدة, أبرزها قدرة العراق على الصمود أمام الضغط الإيراني, وهذه القدرة وفرتها له دول المجلس, عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ولوجستيكيًا, بالإضافة إلى دور دول المجلس في تجنيد الضغط الدولي على إيران التي كانت ترفض وقف إطلاق النار.
باختصار, يمكن القول بأن الدبلوماسية الخليجية حول الحرب العراقية - الإيرانية نجحت بفضل مبدأ تبنته الدول هو إقناع القيادة في كل من طهران وبغداد باستحالة تحقيق النصر, لأن الوضع الاستراتيجي المميز في منطقة الخليج وترابطها مع المصالح العالمية لن يسمح لأي طرف بتبديل ميزان القوى.
ضد الغزو
وقفت على هذا التصميم مرة أخرى عند غزو النظام العراقي لدولة الكويت, فقد كان المبدأ الذي اتخذه القادة هو تحرير الكويت سلمًا إن كان ذلك ممكنًا وحربًا إن كان ذلك ضروريًا, وتفاعلت دول المجلس مع هذا المبدأ في الحفاظ على صلابة سياسية, ووحدة دبلوماسية, وجاهزية عسكرية لتحقيق تحرير الكويت, وتسخير كل الطاقات لبناء ائتلاف دولي يعيد الكويت إلى شعبها, ويعيد النظام الأمني الإقليمي إلى توازنه, كما تعايشت معه دول المجلس منذ نشأته.
في فبراير من عام 1991 تحررت الكويت, كما انتهت الحرب العراقية - الإيرانية في أغسطس 1988 , ويعود الفضل في ذلك إلى التزام مجلس التعاون بالنظام الأمني الإقليمي دون تبديل, بحيث لاتحصل دول مثل العراق أو إيران على امتيازات تضر بالأطراف الأخرى.
وفي هذا المجال يمكن القول بأن أبرز إنجازات المجلس أنه أبقى على الترتيبات الحدودية القائمة بين إيران والعراق ودول المجلس كما ورثتها المنطقة, وأبقى كلاً من إيران والعراق ضمن حدودهما ودون تمدد جغرافي أو تميز استراتيجي, وأعتبر واقع اليوم إنجازًا بارزًا لمجلس التعاون.
ويمكن أيضًا القول بأن الإنجاز الثاني لمجلس التعاون هو ضخ الاعتدال في الدبلوماسية العربية, وإخراج الأيديولوجيا, وإبعاد الحدّة وتعرية الشعارات, والتضييق على المصطلحات النارية المشككة بالدول الغربية, وإبدالها بالروح التسامحية المؤمنة بمواقفها والمتفاعلة مع سلوكيات الأسرة الدولية, والمنسجمة مع قرارات الشرعية الدولية.
من مجلس التعاون, جاءت مبادرات حول فلسطين, مبادرة الأمير فهد بن عبدالعزيز في عام 1982, ومبادرة الأمير عبدالله في عام 2001, واتفاق الطائف حول لبنان والمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام 1991, وفي المفاوضات متعددة الأطراف, والمؤتمرات الدولية, لدعم السلطة الفلسطينية, أو لمواجهة الإرهاب, وأفرزت هذه الدبلوماسية التسامحية الخالية من التشنجات تجمعًا عربيًا شاركت فيه القاهرة وانضمت إليه دمشق, وتعانقت معه الأردن, وارتبطت به اليمن, وصار المشرق العربي امتدادًا للدبلوماسية الخليجية الداعية إلى التعايش والتبادلية في المصالح والاحترام وعدم التدخل, وهي صفة خليجية لإزالة التركة الناصرية في العلاقات العربية.
ورافق ذلك دبلوماسية اقتصادية سخية في تبني مشروعات التنمية والبنية التحتية في الدول العربية, عبر صناديق التنمية الخليجية وعن طريق الدعم المباشر, وكذلك بواسطة المنظمات الإقليمية والدولية.
وأوجز الإنجازات لمجلس التعاون في:
أولاً: ترسيخ النظام الأمني الاستراتيجي في الخليج كما وضع منذ بداية القرن الماضي, ومعارضة العبث به وتصميم دول الخليج على الالتزام به والدفاع عنه.
ثانيًا: توسيع نهج الاعتدال وبذر الروح التسامحية في السلوكيات الدبلوماسية, إقليميًا ودوليًا وإبعاد الأيديولوجيات في السلوك الدبلوماسي, واتباع البراجماتية في التعامل الخارجي.
ثالثًا: الترابط الاستراتيجي الذي شيّدته دول المجلس مع أعضاء الأسرة العالمية وارتفاع الاهتمام العالمي بالشأن الخليجي وتعميق مفاهيم التبادلية في المصالح وتعظيم التواصل مع العواصم المؤثرة لإيجاد حلول مناسبة للقضايا الإقليمية العالقة, فلسطين, الإرهاب, التنمية...إلخ.
رابعًا: بناء منظومة اقتصادية خليجية - عربية تنموية, عبر المساعدات وصناديق التنمية أمنت وصول الدعم الخليجي إلى الدول العربية, وأتاحت مشاركة عربية في خيرات النفط الخليجي, ويمكن القول بأن هذا الإنجاز هو المظهر الجديّ الوحيد الذي تحقق من مظاهر الوحدة العربية.
الكاتب: عبدالله بشاره
في شهر مايو 1981, مع توقيع قادة دول مجلس التعاون - في مدينة أبوظبي - على النظام الأساسي لقيام المجلس, وقفت على حجم التصميم الذي أظهره القادة من أجل الحفاظ على الأرض العربية الخليجية, سالمة وبعيدة عن الحرب العراقية - الإيرانية التي انفجرت في سبتمبر 1980, وعلى إصرار القادة على وقف تلك الحرب العبثية.
جئت إلى مجلس التعاون من نيويورك كأول أمين عام للمجلس, حيث قضيت في نيويورك عشر سنوات مندوبًا للكويت في الأمم المتحدة, شهدت فيها سلطان القوة في العلاقات الدولية, ووقفت فيها على سعي الدول العربية, لاسيما في حوض الشام للاستفادة من مكانة دول الخليج, وساهمت شخصيًا في وضع القضايا العربية فوق مصالح الخليج, لم يكن لي كسفير للكويت في الأمم المتحدة قضية كويتية, كانت همومي عربية, وجدول أعمالي تضعه المجموعة العربية في الأمم المتحدة, لاسيما خلال تمثيلي الكويت في مجلس الأمن في 1978-1979 مع تسخير بعثة الكويت وإمكاناتها لقضية فلسطين.
خرجت من الأمم المتحدة نحو مجلس التعاون بشعور بأن الخليج هو الجزء السليم والصحي في الجسم العربي, وأن مسئولياتنا هي الحفاظ عليه, من تسلل الأيديولوجيات الحزبية المخربة, ومن مغامرات الثوريين وبالأخص في العراق وإيران.
وقد شعرت بالارتياح مع وقوفي على عزم القادة على تطويق الخليج بآليات تؤمن له السلامة, ومن هذه الآليات ترتيبات دبلوماسية إقليمية ودولية, وتحالفات استراتيجية مع الدول الكبرى, وتفاهمات تكتيكية مع الحلفاء, خاصة بعد التوجهات الإيرانية بالتعرض للبواخر المتجهة من وإلى موانئ دول المجلس الذي اتسع في عام 1984, ونجاح دول المجلس في استصدار قرار مجلس الأمن رقم 552 الذي أدى إلى تدويل المنطقة خاصة في التأكيد على حرية الملاحة في الممرات الدولية في منطقة الخليج.
حملت معي من نيويورك درس الإيمان بالقوة كرادع في العلاقات الدولية, فلا حق بلا قوة, ولا صوت للضعيف, ولا عطف للمتوسل, وحملت معي الشعور بأن دول المجلس مستهدفة, وأنها الذخيرة المؤثرة التي تريد دول الجوار (عربا أو غير عرب) الحصول عليها.
غمرتني مشاعر الارتياح في القمة الأولى عام 1981, لأنني وجدت توافقًا في التوجهات مع قرارات القادة بإعطاء الأولوية لإنهاء الحرب, والحفاظ على أمن الخليج, وصيانة تراثه, واستقلاله وسلامة دوله العربية, مع وضع استراتيجية واضحة وهي ترسيخ الحدود القائمة بين إيران والعراق دون تبديل, وتأكيد أهمية بقاء نظام الأمن الإقليمي دون تغيير, بمعنى لا غالب ولا مغلوب في الحرب بين العراق وإيران.
ولا جدال في أن نهاية الحرب في أغسطس 1988, جاءت بسبب عوامل عدة, أبرزها قدرة العراق على الصمود أمام الضغط الإيراني, وهذه القدرة وفرتها له دول المجلس, عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ولوجستيكيًا, بالإضافة إلى دور دول المجلس في تجنيد الضغط الدولي على إيران التي كانت ترفض وقف إطلاق النار.
باختصار, يمكن القول بأن الدبلوماسية الخليجية حول الحرب العراقية - الإيرانية نجحت بفضل مبدأ تبنته الدول هو إقناع القيادة في كل من طهران وبغداد باستحالة تحقيق النصر, لأن الوضع الاستراتيجي المميز في منطقة الخليج وترابطها مع المصالح العالمية لن يسمح لأي طرف بتبديل ميزان القوى.
ضد الغزو
وقفت على هذا التصميم مرة أخرى عند غزو النظام العراقي لدولة الكويت, فقد كان المبدأ الذي اتخذه القادة هو تحرير الكويت سلمًا إن كان ذلك ممكنًا وحربًا إن كان ذلك ضروريًا, وتفاعلت دول المجلس مع هذا المبدأ في الحفاظ على صلابة سياسية, ووحدة دبلوماسية, وجاهزية عسكرية لتحقيق تحرير الكويت, وتسخير كل الطاقات لبناء ائتلاف دولي يعيد الكويت إلى شعبها, ويعيد النظام الأمني الإقليمي إلى توازنه, كما تعايشت معه دول المجلس منذ نشأته.
في فبراير من عام 1991 تحررت الكويت, كما انتهت الحرب العراقية - الإيرانية في أغسطس 1988 , ويعود الفضل في ذلك إلى التزام مجلس التعاون بالنظام الأمني الإقليمي دون تبديل, بحيث لاتحصل دول مثل العراق أو إيران على امتيازات تضر بالأطراف الأخرى.
وفي هذا المجال يمكن القول بأن أبرز إنجازات المجلس أنه أبقى على الترتيبات الحدودية القائمة بين إيران والعراق ودول المجلس كما ورثتها المنطقة, وأبقى كلاً من إيران والعراق ضمن حدودهما ودون تمدد جغرافي أو تميز استراتيجي, وأعتبر واقع اليوم إنجازًا بارزًا لمجلس التعاون.
ويمكن أيضًا القول بأن الإنجاز الثاني لمجلس التعاون هو ضخ الاعتدال في الدبلوماسية العربية, وإخراج الأيديولوجيا, وإبعاد الحدّة وتعرية الشعارات, والتضييق على المصطلحات النارية المشككة بالدول الغربية, وإبدالها بالروح التسامحية المؤمنة بمواقفها والمتفاعلة مع سلوكيات الأسرة الدولية, والمنسجمة مع قرارات الشرعية الدولية.
من مجلس التعاون, جاءت مبادرات حول فلسطين, مبادرة الأمير فهد بن عبدالعزيز في عام 1982, ومبادرة الأمير عبدالله في عام 2001, واتفاق الطائف حول لبنان والمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام 1991, وفي المفاوضات متعددة الأطراف, والمؤتمرات الدولية, لدعم السلطة الفلسطينية, أو لمواجهة الإرهاب, وأفرزت هذه الدبلوماسية التسامحية الخالية من التشنجات تجمعًا عربيًا شاركت فيه القاهرة وانضمت إليه دمشق, وتعانقت معه الأردن, وارتبطت به اليمن, وصار المشرق العربي امتدادًا للدبلوماسية الخليجية الداعية إلى التعايش والتبادلية في المصالح والاحترام وعدم التدخل, وهي صفة خليجية لإزالة التركة الناصرية في العلاقات العربية.
ورافق ذلك دبلوماسية اقتصادية سخية في تبني مشروعات التنمية والبنية التحتية في الدول العربية, عبر صناديق التنمية الخليجية وعن طريق الدعم المباشر, وكذلك بواسطة المنظمات الإقليمية والدولية.
وأوجز الإنجازات لمجلس التعاون في:
أولاً: ترسيخ النظام الأمني الاستراتيجي في الخليج كما وضع منذ بداية القرن الماضي, ومعارضة العبث به وتصميم دول الخليج على الالتزام به والدفاع عنه.
ثانيًا: توسيع نهج الاعتدال وبذر الروح التسامحية في السلوكيات الدبلوماسية, إقليميًا ودوليًا وإبعاد الأيديولوجيات في السلوك الدبلوماسي, واتباع البراجماتية في التعامل الخارجي.
ثالثًا: الترابط الاستراتيجي الذي شيّدته دول المجلس مع أعضاء الأسرة العالمية وارتفاع الاهتمام العالمي بالشأن الخليجي وتعميق مفاهيم التبادلية في المصالح وتعظيم التواصل مع العواصم المؤثرة لإيجاد حلول مناسبة للقضايا الإقليمية العالقة, فلسطين, الإرهاب, التنمية...إلخ.
رابعًا: بناء منظومة اقتصادية خليجية - عربية تنموية, عبر المساعدات وصناديق التنمية أمنت وصول الدعم الخليجي إلى الدول العربية, وأتاحت مشاركة عربية في خيرات النفط الخليجي, ويمكن القول بأن هذا الإنجاز هو المظهر الجديّ الوحيد الذي تحقق من مظاهر الوحدة العربية.
الكاتب: عبدالله بشاره